مجمع البحوث الاسلامية
188
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
للعامل الّذي يعمل معه : لك من الأجر مثل ما عملت ، أي مثل ما تستحقّه بعملك . وقال آخرون : المعنى في ذلك أنّ الحسنة لها مقدار من الثّواب معلوم للّه تعالى ، أخبر اللّه تعالى أنّه لا يقتصر بعباده على ذلك بل يضاعف لهم الثّواب حتّى تبلغ ذلك ما أراد وعلم أنّه أصلح لهم ، ولم يرد العشرة بعينها ، لكن أراد الأضعاف ، كما يقول القائل : لئن أسديت إليّ معروفا لأكافينّك بعشرة أمثاله وعشرة أضعافه . وفي الوعيد : لئن كلّمتني واحدة لأكلّمنّك عشرة ، وليس يريدون بذلك العدد المعيّن لا أكثر منها ، وإنّما يريدون ما ذكرناه . وقال قوم : عنى بهذه الآية الأعراب ، وأمّا المهاجرون فحسناتهم سبعمئة ، ذهب إليه أبو سعيد الخدريّ ، وعبد اللّه بن عمر . وقال قوم : معنى عَشْرُ أَمْثالِها لأنّه كان يؤخذ منهم العشر في الزّكاة وكانوا يصومون في كلّ شهر ثلاثة أيّام ، والباقي لهم . وقال قوم : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ يعني الإيمان ، فله يعني للإيمان عَشْرُ أَمْثالِها وهو ما ذكره في قوله : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ . . . الأحزاب : 35 ، وهذان الوجهان قريبان ، والمعتمد ما قدّمناه من الوجوه . وقال أكثر المفسّرين : إنّ السّيّئة المذكورة في الآية هي الشّرك ، والحسنة المذكورة فيها هي التّوحيد وإظهار الشّهادتين . فإن قيل : كيف يجوز الزّيادة في نعم المثابين مع أنّ الثّواب قد استغرق جميع مناهم وما يحتملونه ؟ قلنا : عنه جوابان : أحدهما : أنّه ليس للمنيّة نهاية ممّا يحتمله من اللّذّات . والثّاني : أن يزاد في البنية والقوّة مثل أن يزاد في قوّة البصر ، حتّى الجزء الّذي لا يتجزّأ ، وإن لم يزد في إخفاء الإنسان . ( 4 : 356 ) القشيريّ : هذه الحسنات للظّاهر ، وأمّا حسنات القلوب فللواحد مائة إلى أضعاف مضاعفة . ويقال : الحسنة من فضله تعالى تصدر ، وبلطفه تحصل ، فهو يجري ، ثمّ يقبل ويثني ، ثم يجازي ويعطي . ويقال : إحسانه - الّذي هو التّوفيق - يوجب إحسانك الّذي هو الوفاق ، وإحسانه - الّذي هو خلق الطّاعة - يوجب لك نعت الإحسان الّذي هو الطّاعة ، فالعناء منك فعله ، والجزاء لك فضله . ويقال : إحسان النّفوس : توفية الخدمة ، وإحسان القلوب : حفظ الحرمة ، وإحسان الأرواح : مراعاة آداب الحشمة . ويقال : إحسان الظّاهر يوجب إحسانه في السّرائر ، فالّذي منك مجاهدتك ، والّذي إليك مشاهدتك . ويقال : إحسان الزّاهدين : ترك الدّنيا ، وإحسان المريدين : رفض الهوى ، وإحسان العارفين : قطع المنى ، وإحسان الموحّدين : التّخلّي عن الدّنيا والعقبى ، والاكتفاء بوجود المولى . ويقال : إحسان المبتدئين : الصّدق في الطّلب ، وإحسان أصحاب النّهاية : حفظ الأدب ، فشرط الطّلب : ألّا يبقى ميسور إلّا بذلته ، وشرط الأدب : ألّا تسمو لك همّة إلى شيء إلّا قطعته وتركته .